الرقيق القيرواني
102
تاريخ افريقية والمغرب
مثله ، ورأيت سفيان الثوري بالكوفة فما رأيت في الدّنيا مثله ، ورأيت رباح بن يزيد بإفريقية فما رأيت في الدّنيا مثله . وكان رباح يقول : رضت نفسي عن المآثم حولا فبعد حول ضبطتها ، ورضت لساني عن ترك ما لا يعنيني خمس عشرة سنة ، فبعد خمس عشرة سنة ضبطته . وهذه الرياضة كانت فيه لأنه مات وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، وكان قد حمل على نفسه الاجتهاد حتى قال : « كنت أحب الصحة فلمّا ضعفت عن العمل أحببت المرض . قال سليمان بن عمران : ولمّا توفى رباح بن يزيد حضر جنازته كافّة الناس ، وغلّقت الحوانيت ، وحضرها الأمير يزيد بن حاتم ، فلّما رأى من كثرة الناس ما رأى التفت إلى من يليه ، فقال : هذا واللّه عزّ الآخرة لا ما نحن فيه » وقال بعض شيوخ إفريقية : لمّا ولىّ روح بن حاتم أبا عبد الرحمن عبد اللّه بن عمر بن غانم القضاء بأفريقية ظهر من عدله في قضائه ، وفهمه ما فضح به من كان قبله ، وولى في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة وهو يومئذ ابن أربعين سنة ، فأقام على قضاء إفريقية عشرين سنة أيام روح بن حاتم ، ونصر بن حبيب ، والفضل بن روح ، وهرثمة بن أعين ، ومحمد بن مقاتل العكى ، وبعض أيام إبراهيم بن الأغلب ، وسنذكر بعض أخباره معه . وكان ابن غانم إذا أشكلت عليه قصة أرجأ أمر الخصمين حتى يعود عليه جواب مالك بن أنس وأبى يوسف القاضي ، ونذكر بقيّة أخبار عبد اللّه بن فروخ ، وكان عظيم القدر عند العلماء قال ابن فروخ : كنت يوما عند ابن أبي جمعة فسقطت آجرة من أعلى داره على رأسي فأدمتنى فقال لي : « أخطر إن شئت أرش الجرح وإن شئت ثلاثمائة حديث » قلت : « الحديث » ، فحدّثنى ثلاثمائة حديث . قال : وقلت يوما لأبى حنيفة : « ما منعك أن تلى القضاء ؟ » فقال لي : « يا بن فرّوخ القضاء ثلاثة ، رجل يحسن العوم أخذ البحر طولا فما عسى أن يعوم يوشك أن يكلّ فيغرق ، ورجل لا بأس بعومه فعام يسيرا فغرق ، ورجل لا يحسن العوم فألقى بنفسه على الماء فغرق من ساعته ، فهذا منعني من الدخول في القضاء » . وقال ابن فرّوخ : أتيت الكوفة وأكثر أملى السماع من سليمان بن مهران الأعمش ، فسألت عنه فقيل لي : « إنه غضب على أهل الحديث وحلف ألا يسمعهم إلّا وقت ذكر